05‏/09‏/2018

#فوائت_بلدانية ، موقع (الزُّجَيْج) (زُجّ لاوة) وموقع (رُّخَيْخ) وموقع ثالث مشابه لهما .

                                                                 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين . 

هذا بحث مختصر عن مواقع ورد لها ذكرٌ في كتب السنة أو أشعار العرب أو أخبارها ، وهي متشابهة في الرسم مما أوقع الكثيرين في اللبس والخلط بينها ، ومن هذه المواقع : موقع (الزُّجَيْج) (زُجّ لاوة) وموقع (رُّخَيْخ) وموقع ثالث مشابه لهما .

 قال الأمام أحمد في المسند (حديث:‏19865‏) : حدثنا يونس ، حدثنا عمر بن إبراهيم اليشكري ، حدثنا شيخ كبير من بني عقيل يقال له : عبد المجيد العقيلي ، قال : انطلقنا حجاجا ليالي خرج يزيد بن المهلب ، وقد ذكر لنا أن ماء (بالعالية) يقال له : (الزجيج) ، فلما قضينا مناسكنا جئنا حتى أتينا (الزجيج) ، فأنخنا رواحلنا ، قال : فانطلقنا حتى أتينا على بئر عليه أشياخ مخضبون يتحدثون ، قال : قلنا هذا الذي صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أين بيته ؟ قالوا : نعم صحبه ، وهذاك بيته ، فانطلقنا حتى أتينا البيت ، فسلمنا ، قال : فأذن لنا فإذا شيخ كبير مضطجع يقال له : العداء بن خالد الكلابي ، قلت : أنت الذي صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، ولولا أنه الليل لأقرأتكم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي ، قال : فمن أنتم ؟ قلنا : من أهل البصرة ، قال : مرحبا بكم ، ما فعل يزيد بن المهلب ؟ قلنا : هو هناك يدعو إلى كتاب الله تبارك وتعالى وإلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فيما هو من ذلك ؟ قال : قلت : أيا نتبع هؤلاء أو هؤلاء ، يعني أهل الشام أو يزيد ، ؟ قال : إن تقعدوا تفلحوا وترشدوا ، إن تقعدوا تفلحوا وترشدوا ، لا أعلمه إلا قال ثلاث مرات ، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة وهو قائم في الركابين ينادي بأعلى صوته : «يا أيها الناس ، أي يوم يومكم هذا» ؟ ، قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال :  «فأي شهر شهركم هذا» ؟ ، قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال :  «فأي بلد بلدكم هذا»؟ ، قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال :  «يومكم يوم حرام ، وشهركم شهر حرام ، وبلدكم بلد حرام»  ، قال : فقال : «ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، إلى يوم تلقون ربكم ، فيسألكم عن أعمالكم» ، قال : ثم رفع يديه إلى السماء فقال : «اللهم اشهد عليهم ، اللهم اشهد عليهم» ، ذكر مرارا فلا أدري كم ذكر . ا.هـ

قلتُ : هذا سندٌ حسن ، والحديث صحيح ، دون قوله (الكلابي) فهذا وهمٌ من عمرَ بن إبراهيم اليشكري ، فليس العداءُ كلابيا وإن كان عامريا ، وقد روى هذا الحديث وتابع عمرَ بن إبراهيم اليشكري جماعةٌ بدون ذكر الكلابي ، بل قالوا : (العداء بن خالد بن هوذة) ، منهم :

 1- :المنهالُ بن بحر العقيلي ، كما عند الروياني في مسنده (1507) وابن سعد في الطبقات الكبرى (7 : 27) والطبراني في المعجم الكبير (14457) ، وهذا سندٌ صحيح .
 2-:  وكيع بن الجراح عند أحمد بن حنبل في المسند (19864) ، وأبي داود  في السنن (1651)‏ ، و ابن أبي شيبة في المصنف (36464) ، وعند أبي نعيم في معرفة الصحابة (2286)  ، وهذا سند صحيح . 
 3-:  سفيان بن نشيط البصري عند البخاري في خلق أفعال العباد (399) . 
 4-:  عثمان بن عمر العبدي عند أبي داود  في السنن (1651)‏ ، وابن سعد في الطبقات الكبرى (7 : 27) ، والبخاري في التاريخ الأوسط (393) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1353) وهذا سند صحيح . 
 5-:  المعافى بن عمران الأزدي عند أبي نعيم في معرفة الصحابة (2286) ، وابن مندة في معرفة الصحابة (283) .
 6-:  المنهال بن عمرو الأسدي عند أبي نعيم في معرفة الصحابة  (5122) .
وغيرهم .    

وحديث العداء في بيع  العبد أو الأمة وكتابه في ذلك ، أخرجه البخاري تعليقاً ، وقد جمع طرقه الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق  (3/216) .

 ونسب العداء ، هو العداء بن خالد بن هوذة بن خالد بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ، وعمرو بن عامر هو فارسُ الضَّحيَاءِ في الجاهليّة ، وبنوه : هم بنو فارس الضَّحيَاء .
و هذا نسبه كما في المعجم الكبير للطبراني وطبقات ابن سعد وغيره .

ووقع عند الجميع :( الزُّجَيْجُ) وهو الصحيح كما سيأتي ، ووقع مصحّفحا في بعض الطرق ، وهذا التصحيف قديم ، ولكنه وقع بصور مختلفة منها : (الرُّخَيْخ) ، و (التَّرحِيح) ، و(الرجيج) ، و(الزخيخ) ، و(الزجيخ) ، و(الدجيج) .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ترجمة العداء بن خالد رضي الله عنه وعن أبيه في الإصابة (4/466) : «وفد على النبي صلى الله عليه و سلم فأقطعه مياها كانت لبني عامر يقال لها الرخيخ بخاءين معجمتين مصغرا وكان ينزل بها» ، وقال أيضا في تهذيب التهذيب (7/148) : «وأقطعه مياها كانت لبني عامر يقال لها الرخيخ بخائين معجمتين».

قلتُ : وهذا خطأ منه رحمه الله بل الصحيح هو : (الزُّجَيْج) ، بزاي وجيمين ، والأدلة على هذا : 

1- : جل الطرق وأكثرها التي رواها الثقات والحفاظ ، وردت بلفظ (الزُّجَيْج) .

2-: ورد في حديث آخر رواه البخاري في التاريخ الكبير (حديث:‏642‏ ) :  قال لي قيس بن حفص : نا سليم ، سمع جهضم بن الضحاك ، قال : مررت (بالزجيج) ، فقال العداء بن خالد : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم حسن السبلة ، وكانت العرب تسمي اللحية السبلة .
وهو في معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني (‏5023‏) ، وفي المعجم الكبير للطبراني  (‏14858‏).
وخّرج الألباني الحديث في السلسلة الضعيفة (12/855) وقال بعد أن ضعّف الحديث : ( تنبيه ) : وقع في الأصل ( بـ النرجيج ) . والمثبت من (( المجمع )) ، ولعله الصواب ، و (الرجيع) : ماء لهذيل قرب الهدأة بين مكة والطائف ، ووادٍ قرب خيبر . كما في (( معجم البلدان )) ا.هـ 
قلتُ : ما نبّه عليه الألباني -رحمه الله- في التنبيه ، كلّه خطأ واضح وتصحيف بيّن ، بل الصحيح (الزُّجَيْج) كما في رواية البخاري .

3-: وفي حديث ثالث أيضاً رواه ابن قانع في معجم الصحابة (حديث:‏1264‏) قال :  عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد قال : سمعت العداء بن خالد يقول :  كتب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يهدي ، يعني (الزجيج)  ، قال القاضي : و(الزجيج) ماء . ا.هـ

4-: الدليل الرابع وهو حجة فاصلة ، فقد ذُكِر الاسم واشتقاق الاسم ، بما لايدع مجالا للشك ،  قال صاحب كتاب المناسك وأماكن طرق الحج ، تحقيق حمد الجاسر (599) : «و(الزُّجَيْج) جبل رأسه محدّدٌ ، كأن رأسه زُجّ ، وفيه يقول بعض الشعراء :

وقرّبنا الأعنة سلهبات
فأوردنا زجيجا أو سواجا
فأوقعنا بجعفر واستبحنا
وأسقيناهم الماء الأجاجا» .
انتهى 

قلت : (الزُّجَيْج) هو تصغير (الزُجّ) وهو المعروف في أسفل الرُّمح ، قال زهير بن أبي سلمى :

وَمَن يَعْصِ أطرَافَ (الزِّجاجِ) فَإِنَّهُ
يُطيعُ  العَوَالي  رُكّبَتْ  كلَّ  لَهْذَمِ

وسواج المذكور في هذه الأبيات ليس هو سواج طخفة الذي هو من أخيلة حمى ضرية ، بل هو سواج المردمة وهو سواج اللعباء .

قال ياقوت في معجم البلدان (3/133) : «الزج بضم أوله وتشديد ثانيه بلفظ زج الرمح موضع ذكره المرقش في قوله :

أَبْلِغا المُنْذِرَ المُنقِب عَنِّي
غيرَ مُستَعْتِبٍ ولا مُستَعِينِ

لاتَ هَنَّا ولَيْتَنِي طَرَفَ (الزُّجْـ
ـجِ) وأَهْلِي بالشَّأْمِ ذاتِ القُرونِ 

1-وقال نصر (زج لاوة) موضع نجدي وفي المغازي بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم الأصيد بن سلمة بن قرط مع الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب إلى القرطاء -وهم قرط وقريط وقريط بنو عبد بن أبي بكر بن كلاب ولهم يقول معاوية بن مالك بن جعفر : 

تفاخرني بكثرتها قريط
وقبلك طالت الحجل الصقور-

 يدعوهم إلى الإسلام فدعوهم فأبوا فقاتلوهم فهزموهم فلحق الأصيد أباه سلمة على فرس له إلى غدير (بزج) بناحية ضرية وذكر القصة .

 2-و الزج أيضا ماء يذكر مع لواثة (قلتُ :لاوة) أقطعه رسول الله صلى الله عليه و سلم العداء بن خالد من بني ربيعة بن عامر .

3- زجيج منقول عن لفظ تصغير الزج للرمح منزل للحاج بين البصرة ومكة قرب سواج عن نصر وقرأته في قول عدي بن الرقاع :

أطربت أم رفعت لعينك غدوة 
بين المكيمن والزجيح حمول 
بالحاء المهملة» 
انتهى كلام ياقوت

قلت : هذه الثلاثة مواقع هي موقع واحد ، فهو مجاور لبلاد القرطاء ، فـ(العداء بن خالد) هو الذي أقطعه النبي صلى الله عليه وسلم مياها بين (الزُجّ) (زج لاوة) وبين (المُضباعة) ، عند هذا الجُبيل (الزُجّ) ويصغّر هذا الجبل فيقال (الزُّجَيْج) . 

1- : قال ابن سعد (275) :  العداء بن خالد بن هوذة بن خالد بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة , وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وأقطعه مياها كانت لبني عمرو بن عامر .

2- : وعند ابن سعد في الطبقات الكبرى (588) :  : وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم للعداء بن خالد بن هوذة ومن تبعه من عامر بن عكرمة أنه أعطاهم ما بين المصباعة إلى الزج ولوابة يعني لوابة الخرار وكتب خالد بن سعيد . قلتُ : صوابه : (من عمرو بن عامر أنه أعطاهم ما بين المضباعة إلى (زج) لاوة يعني لاوة الخرار؟) .

3- : أخرج الطبراني في الكبير (14464) ، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (حديث 5126) ، عن جَهْضَم بن الضَّحَّاك ، عن  العدَّاء بن خالد بن هَوذَةَ ، قال : أَخرج إلينا كِتَابًا ، فَقَالَ:  كَتَبَهُ لِي رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم قَطِيعَةً مِنهُ بِهذا الماء الذي أَنا فِيهِ .

4- : أخرج ابن قانع في معجم الصحابة (حديث:‏1264‏) قال :  عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد قال : سمعت العداء بن خالد يقول :  كتب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يهدي ، يعني (الزجيج)  ، قال القاضي : و(الزجيج) ماء . ا.هـ


 وهو على جادة الحاج البصري ، بين فلجة (الخضارة) وبين الدفينة ، وهو في بلاد بني فارس الضحياء من بني عامر بن صعصعة .

1- : ومكانه في عالية نجد كما مرّ معنا في الحديث الأول ، وقد ورد حديث آخر يبيّن أنه عند (الذنائب) المعروفة اليوم باسمها ، فقد روى الحاكم في مستدرك  (حديث:‏8645‏) ، والطبراني في المعجم الكبير (حديث:‏14857‏) :  قال : حججنا فمررنا بطريق المنكدر ، وكان الناس إذ ذاك يأخذون فيه فضللنا الطريق ، قال : فبينا نحن كذلك إذ نحن بأعرابي كأنما نبع علينا من الأرض ، فقال : يا شيخ تدري أين أنت ؟ قلت : لا ، قال : أنت (بالذنائب) ، وهذا التل الأبيض الذي تراه عظام بكر بن وائل وتغلب ، وهذا قبر كليب وأخيه مهلهل ، قال : فدلنا على الطريق ، ثم قال : ها هنا رجل له من النبي صلى الله عليه وسلم صحبة هل لكم فيه ؟ قال : فقلت : نعم ، قال : فذهب بنا إلى شيخ معصوب الحاجبين بعصابة في قبة أدم ، فقلنا له : من أنت ؟ قال : أنا (العداء بن خالد بن عمرو بن عامر) فارس الضحياء في الجاهلية ، قال : فقلنا له : حدثنا رحمك الله عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث ...الحديث .، والحديث متكلم في سنده .


2- : قال الزبيدي في التاج (34/505) :  «والدُّثَيْنَةُ ، كجُهَيْنَةَ أو كسَفِينَةَ : ع  لبَنِي سُلَيم على طَريقِ حاجِّ البَصْرَة بَيْنَ (الزجيج) و(قبا) ؛ قالَهُ نَصْر ، وهي الدُّفَنية أَيْضاً» . ا.هـ 

قلتُ : (قبا) أسفل حرّة كشب لا زال معروفاً باسمه اليوم .


3- : قال ياقوت في معجم البلدان (3/73): «رَند بفتح أوله وسكون ثانيه اسم نبت طيب الريح وذو رند موضع بين فلجة والزجيج على جادة حاج البصرة عن نصر» .

ويرى بعض الباحثين أن (الزُّجَيْج) هو ما يسمّى اليوم (حصاة الرديهة) ، وهذا موقعها :



وهذه صورة لحصاة الرديهة ، من تصوير أخي الفاضل محمد الشاوي :







أمّا قول عدي بن الرقاع ، الذي ذكره ياقوت :

أطربتَ أمْ رفعتْ لعينك غدوة ً
بينَ المُكَيْمِنِ و(الزَّجِيْح) حُمُولُ

فقد نصّ ياقوت كما مرّ معنا في كلامه السابق أنه بالحاء المهملة (الزَّجِيْح) ، ولكن الذي في ديوان عدي بن الرقاع (ص204) ورد بالجيم المعجمة ، وعدي بن الرقاع العاملي منازل قبيلته (عاملة) في أقصى الشام ، فالذي يظهر أنه ليس هو (الزُّجَيْج) الذي في عالية نجد ، وفي هذه القصيدة التي منها هذا البيت قد ربط (الزَّجِيْج) و (المُكَيْمِنِ) بـ(عرعر) في قصيدة طويلة يمدح بها الوليد بن عبد الملك ، وهناك حول (عرعر) ، (المكيمن) و(فيضة المكيمن) و (ومكيمن خويمة) ، واسم (مكمن) وتصغيره (مكيمن) مواضع كثيرة في بلاد العرب ، وأكثرها في شمال جزيرة العرب ، فالله أعلم بالصواب .

ومن هذه النصوص والنقول يتضح لنا أن الاسم هو (الزُّجَيْج) ، بزاي وجيمين ، وأنه هو (زُجّ لاوة) ، وأنه في بلاد بني عامر بن صعصعة ،  وأنه على درب الحاج البصري في عالية نجد ، وأنه بين (الدفينة) المعروفة إلى اليوم باسمها الجاهلي و (الخضارة) المعروفة قديما باسم (فلجة) .


                                                        *******************



وأمّا اسم (رُّخَيْخ) فقد وقع فيه تصحيف أكثر مما وقع في اسم (الزُّجَيْج) وهو في بلاد غطفان ، من منازل (مُرّة) المجاورة لـ(فزارة) ، وقد ارتبط اسم (رُّخَيْخ) مع اسم (رَخّة) كثيراً لتجاور الموقعين ، وأحياناً تُجمع وتصغّر فيقال (رُخيّات) ، وجميع هذه الأسماء وقع فيها تصحيف ، فمرة يعجمون الراء ، ومرة يهملون الخاء ، بل إن بعض أهل العلم يذكر ذلك كله ، فيترجم لـ(رُّخَيْخ) و  لـ(زخيخ) و لـ(زجيج) .

  والكلام هنا عن اسم موقع (رُّخَيْخ) يختلف عن الكلام عن اسم موقع (الزُّجَيْج) اختلافاً كبيرا ، فـ(رُّخَيْخ) معروف باسمه ومكانه ، ولا زال اسمه باقياً على ألسنة الناس والشعراء من الجاهليّة إلى اليوم ، فالتصحيف هنا بيّنٌ مكشوف .

وسوف استعرض هذه الأقوال وأبيّن ما وقع فيها من خطأ أو تصحيف ، ولا تثريب في ذلك فالأسماء وخصوصاً  أسماء المواقع مظنّة التحريف والتصحيف .

قال ياقوت (3/39) : «الرخيخ بالتصغير كأنه تصغير وهو نبات هش عن ابن حماد موضع قرب المكيمن وحبران والروحاء وقيل بدال وحاء وجيم عن نصر» .

ثم قال ياقوت أيضاً (3/134) : « زخيخ تصغير زخ وزخ يزخ إذا دفع في قفا رجل وهو موضع كانت به وقعة لتميم وهو على مرحلتين من فلج على جادة الحاج قال زيد الخيل :

غدت من زخيخ ثمّ راحت عشيّة
 بحبران إرقال العتيق المجفّر » . ا.هـ

قلتُ : الصحيح (رُّخَيْخ) بالراء المهملة والخاء المعجمة ، وجبل (حِبران) هذا لا زال معروفا باسمه في الجزء الشرقي الشمالي من حّرة ليلى سابقاً ، وحرة (اثنان) أو (ضرغد) ، وهو يبعد عن (رُّخَيْخ) 80 كيلا تقريبا ، فزيد الخيل (الخير) رضي الله عنه ، يمدح ذلوله وراحلته التي غدت من (رُّخَيْخ) صباحاً ، ورواحها عشياً بـ(حِبران) .

و(رُّخَيْخ) كما قال ياقوت في كلامه السابق يبعد عن جادة الحاج (الكوفي) مرحلتين ، وهذا صحيح ، فمن جبل (رُّخَيْخ) إلى الجادة بين (الحاجر) و (النقرة) 
75 كيلا تقريبا ، وقوله كانت به وقعة لتميم ، الصحيح أن الذي وقعت فيه موقعة تميم مكانٌ  آخر كما سيأتي .

ثم قال ياقوت (3/134) : «زَخّةُ : بفتح أوّله، وتشديد ثانيه، وقال الأصمعي : الزّخّة الغيظ، وأنشد :

فلا تَقْعُدَنَّ على زَخةٍ 
وتُضْمِرَ في القلب وَجْداً وخِيفا

وزخّة الرجل: زوجته .

 وزخّة: اسم موضع في بلاد طيّء منقول من أحدهما ، ويوم زخّة: من أيّام العرب، قال بهنكة الفزاري يخاطب عامر بن الطفيل:

أحسبت أن طعان مرّة بالقنا ... حلب الغزيرة من بنات الغيهب
عصبا دفعن من الأبارق من قنا ... فجنوب زخّة فالرّقاق فينقب
يقطعن أودية الذّباب بساطع ... مسط كأنّ به دواخر تنضب» انتهى كلامه


قلتُ : الصحيح (رَخّة) ، قوله : «اسم موضع في بلاد طيّء» ، الصحيح في بلاد غطفان ، ولعله توهم ذلك بسبب يوم (رُّخَيْخ) ويسمّى يوم (رَخّة) ، وهو يوم لقيس على طيء كما سيأتي .

قوله : «بهنكة الفزاري» الصحيح :  نهيكة الفزاري ، وقصيدته هذه معروفة ، التي خاطب فيها عامر بن الطفيل ، والتي منها :

يا عام لو قدرت عليك رماحنا
والراقصات إلى منى فالغَبْغَبِ

لتقيت بالوجعاء طعنة فاتكٍ
مران أو لثويت غير محسب.

وقوله : 
«عصبا دفعن من الأبارق من قنا 
 فجنوب زخّة فالرّقاق فينقب» .

قلت :  الصحيح : 
عصبا دفعن من الأبارق من (قنا)
 فجنوب (رخّة) فالرّقاق (فيثقب)

ولا زال جبل (قنا) معروفاً باسمه وهو شرق عن (رخّة) بـ 25 كيلا ، ولا زال (يثقب) معروفاً باسمه وينطقه العامة (إثقب) وهو غرب عن (رخّة) بـ 40 كيلا تقريبا ، فـ (رخّة) بينهما ، قوله : «دواخر تنضب» ، الصحيح : دواخن تنضب ، فدخان التنضب يوصف عليه غبار الجيش لبياضه وسطوعه ووضوحه .

قال البكري (2/647) : « رُخَيخ بضم أوله وفتح ثانيه على لفظ تصغير رخ موضع قد تقدم ذكره في رسم الأحورين وفي رسم خزاز قال عامر بن الطفيل :

ويَوْمَ رُخَيْخٍ صَبَّحَتْ جَمْعَ طَيئٍ 
عَنَاجيجُ يَحْمِلْنَ الوَشِيجَ المُقَوَّمَا» انتهى كلامه .

قلت : هكذا قال البكري ، نسب البيت لعامر بن الطفيل ، وهذا البيت وإن كان أشبه بشعر الطفيل ، وفي ديوان عامر بن الطفيل قصيدتان على نفس البحر والقافية والروى والغرض من الفخر وذكر الأيام .

الأولى في الديوان (116) :

وَفَدْنَا فَآوَيْنَا بأشْرافِ دارِمٍ
غداة َ جَزَيْنا الجَوْن بالجَوْن صَيْلَمَا

الثانية في الديوان (128) :

ألَسْنَا نَقُودُ الخَيْلَ قُبّاً عَوَابِساً
وَنخضِبُ يَوْمَ الرّوْعِ أسْيافَنا دَمَا

إلا أن هذا البيت في قصيدة طويلة في المفضليات ، لعامر المحاربي 

قال في المفضليات (58)

قال الخصفي من محارب
واسمه عامر المحاربي

منْ مُبْلِغٍ سَعْدَ بنَ نُعْمَانَ مَألُكاً
وسَعْدَ بنَ ذُبْيانَ الذِي قد تَخَتَّما

إلى أن قال :

دَعَوْنا بَنِي ذُهْل إِليهِ وقَوْمَنا
بَنِي عامِر إِذْ لا تَرَى الشَّمْسُ مَنْجَمَا
إلى أن قال :

ويَوْمَ رُخيْخٍ صَبَّحَتْ جَمْعَ طَيئٍ 
عَنَاجيجُ يَحْمِلْنَ الوَشِيجَ المُقَوَّمَا

وتزيّد وبالغ في الافتخار بما لا تبلغ الخضر من محارب بعض بعضه ، إلا إذا كان يتكلم بلسان قومه وبلسان فزارة وثعلبة ، فإنه كان يردُّ على قصيدة الحصين بن حمام المُرّي العصماء ، والتي هجاهم فيها جميعا ، ومطلعها :


جزى اللهُ أفناءَ العشيرةِ كلّها
بـ(دارةِ موضوعٍ) عقوقاً ومأثما
بني عمِّنا الأدنينَ منهمْ ورهطُنا
فزارةَ إذْ رامتْ بنا الحربُ معظَما

وهي مفضليّة (64)

فالبيت  لعامر المحاربي وليس هو الفارس ذو الرمحين عامر بن وهب بن مجاشع بن عامر بن زيد بن بكر بن عميرة بن علي بن (جسر) بن محارب ،  سيد قومه ، فالأخير  من (جسر) حلفاء بني عامر بن صعصعة وسليم ، وهو من (الخضر) حلفاء غطفان .

وعلى كل فهو كما قال أبو العباس القلقشندي في  نهاية الأرب (147) : «يوم الزخيخ - كان لقيس على أهل اليمن، وقيل: يوم الرخيخ».

قلت : الصحيح : (الرُّخَيْخ) ، وهو قريبٌ من بلاد طيء وطيء قحطانية يمانية .


ثم قال البكري (2/647) : «رُخَيّات بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الياء أخت الواو موضع بين قنا ويثقب وقد تقدم ذكره في حرف الهمزة في رسم أخرب .
قال أبو الحسن الأخفش إنما هو موضع يقال له (رَخّة) بفتح أوله وتشديد ثانيه ، قال نهيكة الغطفاني :

عضب دفعن من (الأبارق) من (قنا)
 بجنوب (رخة) فـ(الرقاق) فـ(يثقب)

 قال الأخفش فصغّره جبيهاء الأشجعي ثم نسب إليه ما حوله وجمع فقال :

 جنوب (رخيّات) فجزع تناضب
 مزاحف جرار من الغيث باكر 

قال : وكذلك فعل امرؤ القيس في قوله المتقدم إنشاده وبين رخيات إلى جنب أخرب قلت (البكري) : وهذا الذي ذكره الأخفش وهمٌ لأن تصغير رخة رخيخة وإنما يستقيم ما قال لو كان الواحد رخوة أو رخية ، وقد رأيته بخط أحمد بن برد في شعر امرىء القيس وبين رحيات بالحاء المهملة وذكر أنه نقله من كتاب بندار 
 وانظر أمثلة رخيات في رسم قطبيات» انتهى كلام البكري

قلت : اعتراض البكري على كلام أبي الحسن الأخفش مردود ، فكلام الأخفش أقرب للواقع ولشعر هؤلاء الشعراء الغطفانيين ، وهذا الأسلوب من التصغير والجمع له نظائر كثيرة جدا ، أمّا قول امْرئ القَيْسِ فهو  : 

 خَرَجْنا نريغُ الوَحْشَ بينَ (ثعالَةَ) 
 وبينَ (رُخَيَّات) إلى فج أَخْرُبِ 

وفي روايات الديوان (رُحَيَّات) بالمهملة 



وهذا موقع (رُّخَيْخ) :

وهذه صورة (رُّخَيْخ) ، الصور من النت :




وهذه صورة من الأخ بلداني




وهذه صورة (رَخّة) ، لصور من النت :




ومن هذه النصوص والنقول يتضح لنا أن (رُّخَيْخ) و (رَخّة) معروفان باسميهما ومكانيهما في الجاهلية والإسلام إلى هذا اليوم .





                                                      *************************


قال أبو عبيدة في النقائض (2/615) وهو يشرح قول جرير مفتخرا بقومه :

هم ملكوا الملوك بذات كهف
و هم منعوا من اليمن الكلابا

: «فهو يوم طخفة ، ويوم (الرُّخَيْخ) ويوم ذات كهف ويوم خزاز ، قال وذلك لأنهن متقاربات» ا.هـ

فتبعه البكري في معجمه (2/497) فقال :  «وطخفة و(رخيخ) وخزاز متقاربة يضع الشاعر منها في الشعر ما استقام به».

وتبعهم على هذا وضبطه بالإعجام الميداني في مجمع الأمثال (2/443) فقال : «يَوْمُ الزَّخيخِ  بالزاي والخاءين المعجمتين لتميم على اليمن» . 


قلت : معنى بيت جرير أنه يفتخر بيوم طخفة ، وهو يوم من أيام يربوع ، بل هو غُرّة أيامها ومفخرتها ، كان لهم على قابوس بن المنذر بن ماء السماء ، بسبب (الردافة) وليس معهم أحد من تميم إلا البراجم .

قال ابن قتيبة في المعارف (148) : «بعث المنذر بن ماء السماء جيشاً إلى بني يربوع عليه قابوس وحسان ابناه، ويقال: إن حساناً أخوه لانتزاع الردافة منهم فحاربتهم بنو يربوع وكان ملتقاهم (بطخفة) فهزمت بنو يربوع جيش المنذر وأسروا ابنيه، فبعث المنذر إليهم بألفي بعير فداء ابنيه وأقر الردافة فيهم. قال جرير:
ويوم أبي قابوس لم نعطه المنى 
ولكن صدعنا البيض حتى تهزما» .

قال البلاذري في أنساب الأشراف (4/120) : «وكانت الردافة لبني يربوع بن حنظلة، ثم لبني رياح، فطلبها حاجب بن زرارة للحارث بن بيبة، وقال للمنذر بن ماء السماء: هو شيخ بني حنظلة، فأراد المنذر أن يجعل الردافة له ولقومه، فاجتمع بنو يربوع بطرف طخفة عاصين للمنذر، فسرح إليهم جيشاً فالتقوا بطخفة فاقتتلوا، فهزم أصحاب المنذر، وكانت البراجم مع بني يربوع ليس معهم من تميم غيرهم، وأسر طارق بن حصبة بن أزنم قابوس بن المنذر، فبعثوا به إلى المنذر، فأتاهم ثواب من نعم ورقيق، واسراء من بني تميم، وأسر حسان بن المنذر أخوه فأدركه عمرو بن جوين بن أهيب بن حميري فأطلقه للمنذر، وقتلت بنو يربوع أبا مندوسة المجاشعي، وكان في جيش المنذر، وفي ذلك يقول سحيم بن وثيل:

أبي أنزل الجبار عامل رمحه
عن السرج حتى خر بين السنابك
بطخفة إذ مال السروج وذببوا 
عراة على جرد طوال الحوارك

وقال أبو عبيدة: صاحب حسان ، بشر بن عمرو وعم سحيم فصيره إياه، وقال عمرو بن حوط بن سلمى بن هرمي:

قسطنا يوم طخفة غير شك
على قابوس أذكره الصياح
لعمرو أبيك والأنباء تنمى
لنعم الحي في الجلى رياح
أبو دين الملوك فهم لقاح
إذا هيجوا إلى حرب أشاحوا

وقال سحيم:

وعماي ذادا يوم طخفة عنكم
أوائل دهم كالسراديخ معلم

وقال جرير:

وحسان أعضضنا الحديد ابن منذر
وقابوس إذ لا يدفع الغل مدفعا» .


وقال أبو البقاء هبة الله محمد بن نما الحلي (المتوفى: ق 6هـ) في المناقب المزيدية (1/122) : «الردافة إن يجلس رجل إلى جنب الملك و يشرب معه و يسير خلفه و يكون له كصاحب الجيش في عصرنا هذا أو نحو هذه المنزلة، فلما جعلوا الردافة لبني يربوع صارت لهم ضربة لازم عليهم لا يقدرون على عزلهم عنها و لا نقلها عنهم  إلى غيرهم فكان الملك مع بني يربوع في الردافة كالمحجور عليه ، روى أبو عبيدة معمر بن المثنى إن المنذر بن ماء السماء لما ملك وجه حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم و قدمه فسأله حاجب تحويل الردافة عن بني يربوع إلى بني دارم فقال هي لك يا أبا عركشة ، قال: لا و لكن أجعلها للحارث بن عدس بن الحارث و كان شهاب الفارس حاضرا باب المنذر فلما سمع بذلك قال للمنذر: إن بني يربوع لا يسلمون إليك الردافة و لا يخرجونها عن أيديهم فما تصنع بمحاربتهم؟ فقال له حاجب كذبت بنو يربوع مسلموها غير منازعي الملك فيها. فقال شهاب: إن حاجبا يغرك و قال حاجب: بيني و بينك مائة بعير يأخذها أنصحنا للملك. قال: قد فعلت. فتراهنا على ذلك و جهز المنذر أبنيه قابوس و حسان في جيش إلى بني يربوع فاقتتلوا بطخفة و هي إلى جنب ذات كهف فهُزم جيش المنذر و أسر أبناه و جاءه الخبر فقال شهاب:
أنا نفير نفسيه ... نفرت حاجبا مائة
و قال حاجب: أصلح الله الملك مره إن فليخفف عني منها قال: بل يجعلها جيادا زربا. و أرسل المنذر فافتدى أبنيه من بني يربوع بالفي بعير ففي ذلك يقول جرير مفتخرا بقومه:
هم ملكوا الملوك بذات كهف
و هم منعوا من اليمن الكلابا» .

 قال جرير:

وقد جعلت يوماً بِطِخْفَةَ خَيْلُنا
لآلِ أبي قابوسَ يوماً مذكرا

نحنُ الذينَ هزَمْنا جيشَ ذي نجبٍ
 والمنذرينِ اقتسرْنا يومَ قابُوسِ

فقال مالك بن نويرة:

ونحن عَقرنا مُهر قابوسَ بَعدما
رَأْي القومُ منه الموتَ والخيل تُلْحَب

قال جرير:

بِطَخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وَخَيْلُنَا
عَشِيَّةَ بِسْطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبِ 

وقال :

ونَازَلْنَا المُلُوكَ بِذاتِ كَهْفٍ،
و قد خضبتْ منَ العلقِ العوالي

 شريح اليربوعي : 

 عَلاَ جَدَّهم جدَّ المُلُوكِ فأطْلَقُوا
بِطِخْفَةَ أبْنَاءَ المُلُوكِ عَلَى الحُكْمِ 

قلتُ :  ولم أجد أحداً قبل أبي عبيدة من قال إن يوم طخفة يسمّى يوم (الرخيخ) أو يوم (خزاز) ، بل جميع من وقفت على شعره من شعراء بني يربوع وشعراء تميم ، إنّما ذكروا اسم (طخفة) واسم (ذات كهف) لهذا اليوم وهذه المعركة .

 (ذات كهف) : قال صاحب القاموس : ذاتُ كُهْفٍ بالضم ، وقال أبو عبيدة في النقائض (2/615) : «بذات كهف ، قال وهو أنك إذا قطعت طخفة ، بينها وبين ضرية ، والطريق بينها وبين قنّة الحمر»

وهذا تحديد من أبي عبيدة لموقع (ذات كهف) ، والمسافة بين (طخفة) و(ضرية)  25 كيلا تقريباً ، و(ضرية) عن (طخفة) غربٌ إلى الجنوب ، وجبل (خزاز) في الجهة المقابلة أي شرقٌ إلى الشمال ، يبعد 70 كيلا تقريبا ، فالمعركة من (طخفة) اتجهت غربا ، وهذا يبعد الاحتمال الذي ذكره حمد الجاسر في المعجم لشمال المملكة (2/575) : «اللهم إلا إذا قيل بحصول كرّ وفرّ في هذه النواحي المتباعدة ، كما حدث في وقعة حنين» .

ثم قال حمد الجاسر : «إلا أن ياقوتا ذكر موضعاً سماه رخّاء بتشديد الخاء والمد : موضع بين أضاخ والسرين (التسرير) تسوخ فيه أيدي البهائم وهما رخاوان، انتهى ، وهذا الذي ينبغي أن يكون يوم خزاز يسمّى به ، فقوله : وهما رخاوان ، لعلّه يقصد رخّا ورخيخ ، ومثل هذا يكثر في كلامهم مثل قنا وقني» انتهى كلامه

قلتُ : هذا الترجّي والتوقع لا يعضده شيء وهو بعيد ، فليس في النصوص (رخيخ) لا من بعيد ولا من قريب ، أيضاً الحكم بالتصحيف على كلمة (والسرين) ، ليس أكيداً  بل هو ظن ، فـ(السرّ) شرق أضاخ ، فلعله يثنّى لسبب ما ، فقول ياقوت  في المعجم (3/37) : «رخّاء بتشديد الخاء والمد موضع بين أضاخ والسرين تسوخ فيه أيدي البهائم وهما رخاوان » سبقه نصر فقال (1/510) : «أمّا بخاء معجمة مشددة ممدودا : مَوْضِعٌ بين أُضاخ والسرين تسوخ فيه أيدي البهايم وهما رخاوان» ، وسبقه الحازمي (361) فقال : بَابُ، رَجَا، وَرَحا، وَرَخَّا ، وأما الثَّالِثُ: - بالْخَاءِ المُعْجَمَة المُشَدَّدَة - : «مَوْضِعٌ بين أُضاخ والسرين تسوخ فيه أيدي البهايم وهما رخاوان».

فإذا كان رحمه الله يقصد الأماكن التي يستريض فيها الماء وتسوخ فيه أيدي البهايم ، فهذه الأماكن كلها شرق وادي (التسرير) (الرّشا) ، وهذا لا يتوافق مع الكلام السابق ، فعلى فهم الشيخ حمد للكلام السابق تكون هذه الأماكن غرب وادي (التسرير) (الرّشا) ، فإنه يقول : بين أضاخ (التسرير) .

23‏/08‏/2018

#فوائت_بلدانية (عُريعِرَة) تحديد موقع عُريعِرَة





بسم الله الرحمن الرحيم 



 #فوائت_بلدانية (عُريعِرَة)

قال ياقوت : عريعرة تصغير عرعرة بتكرير العين والراء وعرعرة الجبل غلظة معظمه ، وهو ماء لبني ربيعة ،  وقال الحفصي : عريعرة نخل لبني ربيعة باليمامة ، وقال الأصمعي : هي بين الجبلين والرمل وقالت امرأة من بني مرة يقال لها أسماء :


أَيا جَبَلَي وادي عُريعِرَةَ الَّتي
نَأَت عَن نَوى قَومي وَحقَّ قُدومُها
أَلا خَلَّيا مَجرى الجَنوبِ لَعَلَّهُ
يَداوي فُؤادي مِن جَواهُ نَسيمُها
وَكَيفَ تُداوي الريحُ شَوقاً مُماطِلاً
وَعَيناً طَويلاً بالدُموعِ سُجومُها
وَقَولا لِرِكبانٍ تَميمِيَّةٍ غَدَت
إِلى البَيتِ تَرجو أَن تُحَطَّ جُرومها
بَأَنَّ بِأكناف الرَّغامِ غَريبَةً
مُوَلَّهَةً ثَكلى طَويلاً نَئيمُها
مُقَطَّعَةً أَحشاؤُها مِن جَوى الهَوى
وَتَبريح شَوقٍ عاكِفٍ ما يَريمُها

وأتممت الأبيات من كتاب القالي .


قال الشيخ حمد الجاسر رحمه الله في معجم شمال المملكة : «مفهوم كلام صاحب معجم البلدان الذي نقل عن الأصمعي أن عريعرة تقع بين جبلى طيء وبين الرمل القريب منهما إذ الجبلان عند الإطلاق يقصد بهما سلمى وأجا جبلا طيء» . 
ثم ردّ ذلك ، ورجّح التي في عالية نجد والتي ذكرها لغدة رحمه الله في بلاد العرب (129) عندما عدّد مياه بني ربيعة بن عبد الله من بني أبي بكر بن كلاب ، فقال : «وعريعرة ماءة بين الجبلين والرمل».

قلت : لقد وقع لبس بسبب تشابه أسماء المواقع ، وتشابه أسماء أهلها ، بل وتشابه صفة الموقعين وأنه بين جبل ورمل ، الصحيح التفصيل : أولاً : أن (عُريعِرَة) التي ذكرها الحفصي ليست هي (عُريعِرَة) التي ذكرها الأصمعي ونقل كلامه لغدة .
ثانياً : ان (عُريعِرَة) التي ذكرها الحفصي هي نخل في وادٍ تسمّى باسمها .
ثالثا : أن (عُريعِرَة) التي ذكرها الأصمعي ولغدة هي ماءة .
رابعاً : أن (عُريعِرَة) التي ذكرها الحفصي لبني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن (تميم) وهم ربيعة الجوع .
خامساً : أن (عُريعِرَة) التي ذكرها الأصمعي ولغدة لبني ربيعة بن عبد الله من بني أبي بكر بن كلاب .
سادساً : أن (عُريعِرَة) التي ذكرها الحفصي واد ينزل من جبل طويق مقابل لمدينة الزلفي في بلاد ربيعة الجوع من تميم .
وهذا موقعها :

https://www.google.com/maps/@26.3280861,44.8294656,2211m/data=!3m1!1e3

وهذه صورلعريعرة من النت 






سابعاً : أن (عُريعِرَة) التي ذكرها الأصمعي ولغدة في عالية نجد بالقرب من الخاصرة ، والجبلان المذكوران هما جبلا الضمر والضائن ، (الضمران) و (الضينية)  في بلاد بني عبد الله بن أبي بكر بن كلاب .
وهذا موقعها :

https://www.google.com/maps/@23.4851821,43.7685708,4525m/data=!3m1!1e3



قال عبد الله بن خميس رحمه الله في معجم اليمامة (2/156) : (عُرَيْعِرَة) معروفة الآن في شعب من شعاب (طويق) مقابلة لبلدة الزلفي من الشرق بميل نحو الشمال ، شعب ضيّق به نخيل وسكان . 


أمّا الأبيات فالمقصود بها (عُريعِرَة) التي لبني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن (تميم) وهم ربيعة الجوع ، وقد وقع وهم عند القالي في الأمالي وهو راوي هذه الأبيات ، فقال في الأمالي (2/197) : «قال وأنشدنا أبو بكر بن دريد رحمه اللّه قال أنشدنا عبد الرحمن عن عمه لأسماء المرّيّة صاحبة عامر الطّفيل»

قلت: وهذا وهم كما نبه عليه البكري في شرح الأمالي .

أولا : صاحبة عامر بن الطفيل فزارية وليست مُرية ، كما ذكر هو ذلك في قصيدته التي قالها يوم (الرقم) فقال : 

ولَتَسْأَلَنْ أَسماءُ وَهْيِ حَفِيَّةٌ 
 نُصحاءَها أَطُرِدْتُ أمْ لَم أُطْرَدِ
قالوا لها: فَلَقَدْ طَرَدْنَا خَيْلَهُ
 قُلحَ الكِلابِ وكنتُ غيرَ مُطَرَّدِ
فلأَبْغِيَنَّكُمُ المَلا وعُوَارضًا 
ولأُهْبَطَنَّ الخيلَ لابَةَ ضَرْغَدِ
بالخيلِ تعثُرُ في القصيدِ كأنها 
حِدَأٌ تَتَابَعُ في الطريقِ الأَقْصَدِ
يا أَسْمَ أُخْتَ بَنِي (فَزَارَةَ) إنَّني
غازٍ وإنَّ المرءَ غيرُ مُخَلَّدِ ...الخ

ثانياً : أنها وصفت الوادي والنفود (الرغام) وصفاً ينطبق على (عُريعِرَة) الزلفي 

ثالثاً : أنها ذكرت الركب التميمي الذي يريد الحج ، و(عُريعِرَة) الزلفي من بلاد بني ربيعة بن مالك من (تميم) ، فلعلها من بني مُرّة وهو (الظليم) من بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وهم ربيعة الجوع ، فهم أهل تلك البلاد مثل (سَمْنان) و (الأُمْيِلح) وغيرها .
وتكون الشاعرة تعني بالجنوب ، الجنوب القريب لها في تلك النواحي ، وهو الطريق لمن يريد الذهاب إلى الحج والبيت ، فأيسر خُلول الرمل ومسالكه هو الخَل الذي بقرب أشيقر .

29‏/07‏/2018

أسماء الغُبار وصفاته من كلام العرب



بسم الله الرحمن الرحيم


أخرجتُ هذا الفصل عن أسماء (الغُبار) من بحث عن (بيئة العرب) وحذفتُ منه الشواهد من النصوص والشعر وكلام أهل العلم ، لطلب ورغبة الأخوة الأفاضل ، ووقد جمعت من كتب أهل العلم -رحمهم الله- التي حفظت لنا  هذه  الكنوز .

وممن أفردها بفصل أو باب : ابن سيده في (المخصص) (3/42) في (باب الغبار) جمع أكثر هذه الألفاظ ،  وأبو منصور الثعالبي في (فقه اللغة) (ص1054) في  (في تفصيل أسماء الغُبار وأوصافه) ، أحمد بن مصطفى الدمشقي (معجم أسماء الأشياء) المسمى (اللطائف في اللغة) (ص286) في ( أسماء الغبار) .

 1-السِّخْتيتُ : الغُبارُ الشديدُ الارْتِفاع ، والسِّحْتِيتُ ، الحاءُ لُغَةٌ في الخاءِ .
2-الشِّخِّيتُ كسِكِّيتٍ وكَريمٍ : الغُبارُ السَّاطِعُ
3-المُسْطارُ : الغُبارُ المُرْتَفِعُ في السماءِ ، وقيل : كان في الأصل مُستطاراً فحذفت التاء .
4-الكَوْثَرُ : الكثيرُ المُلْتَفُّ من الغُبارِ  .
 5-الطّرْمِساءُ بالكسر : الغُبارُ الرَّقيقُ .
 6-النَّحْسُ : الريح البارِدَةُ ذات الغبار ، وقال ابن دريد : النَّحْسُ : الغُبَارُ في أقْطارِ السماءِ .
 7-الخَباطُ كسحابٍ : الغُبارُ يرتَفِعُ من خَبْطِ الأَرْجُلِ .
8-الشَّيْطِيُّ كصَيْفِيٍّ : الغُبَارُ الساطِعُ في السماءِ .
9-القَسْطَانُ : الغُبَارُ
10-الكَسْطانُ بالفتح : الغُبارُ
 11-القُضاعَةُ بالضم : غُبارُ الدقيقِ .
 12-القترة : بفتح القاف والمثناة : الغبار الأسود .
 13-الهَيْرَعُ كضَيْغَمٍ : الغُبَارُ في الحَرْبِ .
 14-الريغُ بالكسر : الغُبارُ والرَّهجُ والتُّرابُ ، وقيل : الرِّياغُ : الغُبارُ والرَّهَجُ .
15-نباغ كغُرابٍ : غُبارُ الرَّحَى كالنَّبْغِ
16-السَّفْسافُ : ما يَرْتَفِعُ من غُبارِ الدَّقيقِ عِنْدَ النَّخْلِ .
 17-السُّرادِقُ : الغُبارُ الساطِعُ والدُّخانُ المُرْتَفِعُ المُحيطُ بالشيءِ
 18-الصِّيقُ بالكسر : الغُبارُ الجائِلُ في الهواءِ ، قال أبو عبيد عن أبي زيد : الصِّيق : الريح المنتنة ، وهي من الدوابِّ .
 19-المُوقُ بالضم : الغُبارُ
20-ويومٌ أجْوَلُ وجَيْلانِيٌّ وجَوْلانِيٌّ وجَوْلانٌ وجَيْلانٌ : كثيرُ التُّرابِ والغُبارِ ، قال ابن دريد : الجَوْلُ الخيلُ وربما سُمِّيَ الغُبَارُ جَوْلاً .
21-الساطِلُ من الغُبارِ : المُرْتَفِعُ كالطاسِلِ ، والطَّيْسَل الغبار الرقيق .
22-غُبارٌ طاحِلٌ : كَدِرٌ ، الطُّحْلة لون كَلَوْن الرَّماد ، يقال : ذِئبٌ أَطْحَل .
23-القَسْطَلُ والقَسْطالُ والقَسْطلانُ بفتحهنَّ وكزُنْبورٍ : الغُبارُ .
 24-الكَسْطَلُ والكَسْطالُ : الغُبارُ لُغَةٌ في القافِ
 25-المَحْلُ : الغُبارُ ، عن كراع .
26-رأَيته في طُسَامِ الغبار وطَسَامِه وطَسَّامه وطَيْسانِه يريد في كثيره .
 27-القَتامُ كَسَحابٍ : الغُبارُ ، وقيل : القتان : الغبار .
28-وقَتَمَ الغُبارُ قُتوماً : ارْتَفَعَ ، وقيل : القتم : رِيحٌ ذاتُ غُبارٍ كَرِيهَة .
 29-ودَخَنَ الغُبَارُ دُخُوناً : سَطَعَ
30-عُثان كغُرابٍ : الغُبارُ
31-قتان كَسَحابٍ أو غُرابٍ : الغُبارُ
32-منين وكأَميرٍ : الغُبارُ ، وقيل : الغبار الضعيف ، وقيل : الغُبَارُ المتقطع .
 33-الهَوْزَنُ كجَوْهَرٍ : الغُبارُ
34-السافِياءُ : الغُبارُ أو رِيحٌ تَحْمِلُ تُراباً .
35-العَمَى : الغُبارُ ، وقيل : العَماء: الغُبار .
 36-الغَبْيَةُ :  من التُّرابِ : ما سَطَعَ من غُبارِهِ .
37-القَيْروانُ : الغُبارُ ،  قالَه ابنُ خَالَوَيْه .
38-الهَباءُ : الغُبارُ ، وقيل : هو غبار شبه الدخان .
39-اللَّهَب محركةً : الغُبارُ السَّاطِعُ ، يقال : كَمْ جَاوَزْتَ من سُهُوبٍ ولُهُوبٍ ؟
40-البوغ : ما يثور من الغبار عند المشي ، وقيل : البَوْغاء: التراب يثور عنه غُبَارُه.
 41- المُورُ بالضم: الغُبارُ بالريح ، وقيل :المُورُ : الغُبارُ المُتَرَدِّدُ ، قال السيوطي : ولا يقال مُورٌ للغبار إلا إذا كان بالريح وإلا فهو رَهْج .
42-العجاج : هو من الغبار ما ثورته الريح .
43-الخيضعة : ا لغُبَارُ في الحَرْبِ . وقِيلَ : المَعْرَكَةُ نَفْسُهَا .
44-النقع : الغبار الساطع ، والنَّقْعَاءُ : الغُبَارُ .
45-معكوكاء وقيل بعكوكاء : غبار وجلبة .
46-العصرة : الغبار وفي حديث أبي هريرة أن امرأة مرت به متطيبة لذيلها عَصّرة ،  ويروي: عُصْرة.
47-الإعصار والعصار أن تهيج الريح التراب فترفعه ، والعِصار الغبار الشديد .
48-الهِلالُ : الغبار .
49-الرَّهَج : الغبار .
50-السَّهام : وهج الصيف وغبارته .
51-الغار : الغبار ، عن كراع .
52- العَكُوبُ بالفَتْح : الغُبَارُ .
53-الزَّوْبَعَةُ : الريحُ تُثِيرُ الغُبَارَ تُدِيرهُ في الأرض حتى تَرْفَعَهُ في الهواء .
54-الديجور : الغبار الأسود ، عن صاحب العين
55-الغيطة : الغبار في الحرب .
56-القفوة : رهجة تثور عند أول المطر .
57-الديكساء : غبرة عظيمة .
 58-العثير الغُبار الساطع ، على وزن فِعْيَل كـ(حِمْيَر) القبيلة 
59-المُلاَءَ المَحْضَ :  الغُبَارِ الخَالِص .
60- النُّسافَةُ ، بالضمِّ : ما يَثُورُ من غُبارِ الأَرْضِ ، قالَهُ الرّاغِبُ .
61-القَرَصْطالُ : الغُبارُ
62-الصبْقَةُ : الغبار .
63-الأَصْيَعُ : الغُبارُ الذي يجيءُ ويذهب يَتَصَيَّع ويَنْصاعُ مرة ههنا ومرة ههنا .
64-الغَباء : الغُبارُ وقد يضم ويقصر فيقال الغُبَى والغُباءُ ، عن ابن خالويه .
65-الثّائِبُ: الغُبَارُ الكَثِيْرُ .

 الغُبار سمِّي لغُبْرته ، وهي لونُه .
الغَبْرَاءُ : الأرْض
ريحٌّ هُبارِيّةٌ : ذاتُ غبار .
اسْتَرْبَعَ الغُبار : إذا ارتفعَ .
سَطَعَ الغبارُ : ارتفعَ أو انْتَثرَ ، ومثله : انْعَقَّ الغبار انشق أي : سطع .
لون الغبار : يوصف الغبار بأنه أشهب ، وأصهب ، وأكدر ، وأبيض ،
انْغَضَف القومُ في الغُبارِ : دَخَلُوا فيهِ .
أَطْنَبَتِ الريحُ إِذا اشتَدَّتْ في غُبارٍ .
وكَبَا الغُبارُ إذا لم يَطِرْ ولم يتحرَّكْ .
ويقولون : ذيل الرّيح، يعنون غُبارها الذي تسحبه على وجه الأرض.
ويقولون :  ثار الغُبار يَثُور
:قَوِبَ من الغُبار أَي اغْبرَّ
الكَرِيْرُ: صَوْتٌ في الحَلْق كالحَشْرَجَةِ يَعْتَري من الغُبَار.
الوَشيعَةُ : طَريقَةُ الغُبارِ ، والوَشائع: طرائق الغُبار.
:تَنَصَّبَ الغُبار ارْتَفَعَ
غُبَارٌ ساهِجٌ: مُرْتَفِعٌ .
طَلَبَ فُلاناً فما شَقَّ غُبَارَه ، أَي لم يُدْرِكْه .
قال الشافعي : لا يَقع اسْمُ صَعيد إِلاّ على تراب ذي غُبار .

ومن الشعر في (الغُبار) قول زهير:
في ساطِعٍ مِن (ضَباباتٍ) ومِنْ رَهَجٍ
وعِثَيرٍ مِنْ دُقاقِ التُّرْبِ مَنْخُول
وفي رواية : من (غيايات)
وكقول أبي الطّيّب:
عقَدَتْ سَنَابِكُهَا عِثْيَراً
لَوْ تَبْتَغِي عَنَقاً عَلَيْهِ لأَمْكَنَا
ادّعى أنّ الغبار المرتفع من سنابك الخيل قد اجتمع فوق رؤسها متراكما متكاثفا بحيث صار أرضا يمكن أن تسير عليها تلك الجياد، و هذا ممتنع عقلا و عادة ، لكنّه تخييل حسن.

02‏/04‏/2018

جهالات صالح بن دخيل الله التي يجمّل بها نفسه عند العوام



                                     بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين .

قبل سنتين تقريبا من هذه الأيام , حصل نقاش مع أحد الباحثين من أهل العلم والفضل في بيت لأحد شعراء هذيل وهو قوله :

(كأنهم بين عكوتين إلى ... أكناف بس مجلجل برد)

وكان النقاش في ثبوت هذا البيت وفي معناه  وفي الأماكن التي وردت فيه , وهل هذه الأسماء محفوظة أو مصحّفة ؟ , وهل هذه الأماكن  معروفة أو غير معروفة ؟ وهذا أمر يسير , فهو نقاش لن يغيّر في التاريخ السابق شيئاً , ولن يغيّر في الواقع اليوم شيئاً , ولكن معرفة منازل وبلدان القبائل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وما قبله وما بعده , تفيد الباحث عموماً , وتفيد الباحث خصوصاً في السيرة والسنة وفي الأدب والتاريخ , وإلا فإن الأمر كما قال الله تعالى :  {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «واعلموا أن الأرض لله ورسوله» 

فتدخل أحد العوام وهو : (صالح بن دخيل الله) , وهو رجل عامّي جاهل , فتدخل في نقاش هذا البيت بلا عنان ولا خطام ، فقال إن (عكوتين) هي التي بجوار جيزان ، و(بس) هو الذي بجوار الطائف ، وأن خيل قبيلة هذيل كانت كالسحابة المتصلة من جيزان إلى مكة إلى الطائف ، فأخبرته بأنه ما هكذا تُورد الإبل , وأن فهمه هذا خطأ وتصوّره هذا بعيد جداً ، وقد كنت بداية الأمر أرفق به لعدة أسباب ، منها معرفة قديمة به ، وبسبب أني كنت أحسن الظن فيه وأقول الرجل عامي جاهل لا يفهم النصوص ولا يعرف يتعامل معها ، وبسبب ما يربطني بقبيلة المطارفة بل وبقبيلة هذيل عموماً من روابط القربى والمعرفة والصداقة , ولكنه وبلا أي مقدمات طرأ عليه أن يغيّر اتجاه النقاش ، فقد جعل مسألة البحث وموضوع النقاش على جنبه الأيسر , وأخذ موضوعا آخر بعيدا جدا وأقحمه في النقاش ، وادّعى أنه كان يبحث فيه منذ أكثر من عشرين عاماً ، وهو (منازل قبيلة هذيل في نجد) ولم يكن لهذا الموضوع مناسبة ولا ذكر في النقاش السابق ، ولم يسأله أحد عنه ، فجاء بكل ما هبّ ودبّ وكل ما يعرف وما لا يعرف ، وأحدث جلبة وضجيجا ، ثم صرخ واستنفر من استخف من البسطاء والعوام , فقلت في نفسي لعل الرجل صنع ذلك كي يلفت الانتباه له ، ولكي يصنع من نفسه شيئاً مهماً , وهذا الأمر وإن كان سخيفا إلا أنه لا شأن لي به , بل عليه هو وحده معرّته وإثمه , ولكن عندما تتبعت كلامه وجدت أن الرجل يتعمّد الكذب ويتقصّد بتر النصوص والتلبيس والتدليس ، فلا أدري أيهما أشد صدمة , جرأته على الكذب الصريح أو حماقات استدلالاته واستخفافه بعقول الناس , وقد رددتُ على بعض تلك الجهالات في ذلك الوقت ، وروابط تلك الردود في صفحتي في تويتر ، وتركت كثيراً من حماقاته الواضحة , والتي جعلته محطاً للسخرية والتندر , بعد أن أصبح أغرَّ محجلاً في الحماقة , وعندما وجد صالح أن النصوص تصكه صك الجندل , وكلام أهل العلم يرد عليه ، بدأ يطعن فيهم بل ويطعن في كتب أئمة هذا الشأن ، وهذا لا يستغرب ممن هو مثله ، فهو لا يعرف حتى يتعامل مع الكتاب فلا يميز بين كلام المحقق وكلام المؤلف , ولا المقدمة من الكتاب , ولا الحاشية من المتن , بل ولا يعرف حتى علامات الترقيم , فيظنها رموز وإشارات خفيّة ، وغيرها مما بينته في الردود السابقة ، ثم قام بزعمه بالردّ علي ففضح نفسه وكشف عن بقية مخازيه وجهالاته ، فإنه لم يتكلم في شيء إلا ويفضحه الله ويخزيه ، كما قيل :

يتعاطى كل شيء ... وهو لا يحسن شيئا

فلمّا رأى بعد كشف جهالاته وأكاذيبه أن صورته تهشّمت بل سُحقت وأن كرامته قد تبعثرت ، وأنه لم ولن يستطيع الرد على الحجج ، أتى اليوم يتسحّب يريد أن يرمم صورته ، ويلملم بقية كرامته ، ولكنه أقصر لمَّا أبصر ، فقد تراجع عن أكثر من 90% من الدعاوى السابقة ، كما هو موضح في الخريطة 




 بل قد تراجع عن العنوان كله فغيّره من (منازل قبيلة هذيل في نجد) واختار بدلا منه عنوانا آخر (منازل قبيلة هذيل) وهذا العنوان الآخر لم يقع فيه نقاش أيضاً بل لا خلاف فيه ، فقبيلة هذيل قبيلة عزيزة ، معروفة منازلهم وديارهم في الجاهلية والإسلام ، وقبيلة هذيل غنية بمنازلها وتاريخها قبل أن يخلق الله صالح بن دخيل الله ، وقبيلة هذيل ليست في حاجة لأكاذيب صالح بن دخيل الله وتزويره ، ولكن صالح يزجّ باسم قبيلة هذيل في أي نقاش لا لأجل هذيل ولكن ليصنع من نفسه فارساً ولو بالكذب ، وهذه هي أخلاق فارس التلفزيون والدعاية ، لا أخلاق الفارس الحقيقي .


تنحّلت نعت الخيل لا أنت قدتها ... ولا قادها جداك في سالف الدهر

وهو اليوم يُظهر نفسه في ثوب رجل متعاقل ، وهذا أسوأ من حماقته الصلعاء ، وكما قال شريح رحمه الله تعالى : لئن أزاول الأحمق أحب إلي من أزاول نصف الأحمق ؛ قيل : يا أبا أمية ومن نصف الأحمق؟ قال: الأحمق المتعاقل ، وليعذرني أحبتي على شدة العبارة في ردي على هذا الأحمق ، ولكني وجدتُ أنه لا يستحق أن يخاطب كما يخاطب أهل العلم أو أهل البحث والاسترشاد , وأنه أهل أن يساس بما تساس به البهائم ، وكنت قد عزمت أن لا أرد عليه في مواضيع جديدة ، حتى يرجع إلى الموضوع الأساسي وهو الكلام على (عكوتين) و (بسّ) ، وقد رأيت أنه يتحاشى الموضوع الأساسي ، ويخترع موضوعات فرعية ليطيل وقت النقاش والتفاعل ، حتى إذا جلس مع لبسطاء والعوام يتبجح بأنه ردّ على فلان في موضوع كذا وكذا .

يطلع مطاليع العلا بالسواليف ... بين العذارى عد روحه سنافي 
كم واحد جاله زمانه على الكيف ... واغترته نفسه يبا الجود وافي 


وقد قام بزعمه بالرد علي في مواضع (نخب) و (العرج) و (قرّان) وزعم أنه أتى بأدلة جديدة تصفع وتصعق ، فلما قرأت كلامه وجدته متكثراً بالباطل لأجل التكثر ، فلم يأتِ بجديد ، بل تكرار مقصود ، فالكلام الذي في المقدمة هو الذي في (نخب) وهو الذي في (العرج) وهو الذي في (قرّان) بل يكرر الكلام الواحد في الموضوع نفسه عدة مرات ، حتى يوهم العوام والبسطاء بكثرة الأوراق أنه ردّ ، والعبرة ليست بالكثرة أو القلة ، بل في الحجة والبرهان ، وإن كان سطراً واحداً ، وسوف أورد استدلالاته الجديدة والتي تضاف إلى بقية طرفه ونوادره . 


أمّا المقدمة :

كان صالح بن دخيل الله في السابق يتكلم على المواقع ولا يدري أين هي من أرض الله , فلم يعرف الجبال التي أمام أنفه في تهامة ، وهي معروفة عند الجميع , وكان يزعم أنها في نجد , فافتضح جهله , فقام واستعان اليوم ببرنامج الدارة في معرفة المواقع بحسب المناطق ، وهذا البرنامج يضر صالح ولا ينفعه ، لأنه كما يقول إخواننا المصريون «هبله ومسّكوها طبله» ، فهذا الموقع أو البرنامج يستفيد منه طلبة العلم والباحثون ، أمّا صالح بن دخيل الله فإنه يأخذ الاسم من القصيدة ، ويدخله الموقع ويبحث في غير بلد الشاعر ، وإن كان البرنامج قد حرمنا غرائب صالح وعجائبه ، ولكنه جعل صالح يتراجع عن أكثر جهالاته .

وإذا ورد اسم المكان في الشعر ، فإن الباحث يتوجب عليه لأجل تحديده عدة أمور :
 1- معرفة بلد الشاعر .
 2- لماذا ذكره الشاعر ؟ هل ذكره في الغزل أو في وصف شيء متعلق به ؟ مثل الجبال أو الصيد ونحوه أو يكون مجتازاً  أو غيرها من الأسباب الكثيرة ، وفي هذا الباب زلّ وأخطأ بعض أهل العلم ، فضلا عن صالح بن دخيل الله وهو رجل عامّي .
 3- عدم وقوفه عليه باسمه لا يلزم منه البحث في منازل القبائل الأخرى ، لأنه ربما تغيّر اسمه فلا يعرف اليوم .
 4- لا يلزم وجود اسم مشابه أن يكون هو ، فقد يكون الاسم لموقعين أو أكثر ، بل وقفت على أكثر من عشرين موقعاً لها اسم واحد ، أمّا صالح بن دخيل الله فيقول بكل حماقة وجرأة أن هذا الاسم من بلاد هذيل ولا يوجد إلا في نجد مثل قوله في (الأميلح) ، انظر إلى هذه الجرأة !! وقد نقلت عن محمد بن علي بن هلال الحتيرشي الهذلي ما يكذّب كلام صالح بن دخيل الله ويبيّن جهله , وأنه أمام أنفه في تهامة ولكن لا يعرفه .
 5- وورود اسم مكان أو موقع في الشعر ليس دليلا ولا حجة أنها من بلاد الشاعر ، وصالح بن دخيل الله يظن الديار تملك بالأشعار ، فجعل الخارطة من صنعاء اليمن إلى حائل شمّر ، ومن تثليث الجنوب إلى القصيم ، ومن بلاد نجد على بلاد الحجاز ، فهل يقول ذلك من عنده مسكة من عقل أو شيء من الحياء ؟
 6- لابد من معرفة عصر الشاعر ، فصالح بن دخيل الله لا يميّز بين الشاعر الجاهلي والشاعر الذي في صدر الإسلام والشاعر الذي في القرن الثاني من الهجرة ، وإذا كان مُصرّاً على كلامه فليدّعي بلاد الشام وبلاد مصر فقد ورد ذكرها في أشعار الهذليين .
7- الرجوع إلى بقيّة شعر هذا الشاعر ، أو إلى شعر شعراء قبيلته , وصالح بن دخيل الله لا ينظر في باقي القصيدة ، فيحتج بالبيت والبيت الآخر يردّ عليه ويفضحه .


حقيقة لو أترك العنان لقلمي في تتبع أخطاء صالح بن دخيل الله لطال المقام ، وذلك بسبب أنه لا يكتب سطراً واحداً إلا وتجده يطفح بالجهالات والمغالطات ، بسبب أن قراءته خطأ وفهمه خطأ وتصوره خطأ وبسبب الهوى والجهل وحب الظهور ، فتكوّن من هذا الخليط اختراعات صالح وخرائطه ، لذا لن اتشعب في تتبع وتصحيح أخطائه ، فسيكون ردي على أدلته الجديدة التي زعم أنها تصفع وتصعق ، سأبيّن لكم أدلته الجديدة في مكانها ، فأحمد الله أخي القارئ على نعمة العقل والدين ، وسأرد على بعض المغالطات والتقعيدات الفاسدة ، التي منها قوله : الطائف من منازل هذيل ، فإن مجرد ذكر هذا القول الساقط يغني عن الردّ عليه ، ثم أراد صالح أن يجمع الأقوال كلها ويجعلها (مشكل بالفرن) فانقدح في ذهنه فكرة عبقرية وهي : أن يمطط اسم (السراة) إلى حدود (بيشة) و(تربة) , لماذا ؟ حتى يستطيع أن يدخل (الطائف) و (حرة بس) و (نخب) و (العرج) و (قرّان) في مسمى (السراة) فتكون من بلاد هذيل ، فإنه وجد في نصوص أهل العلم أن قبيلة هذيل قبيلة تهامية كما قال الأصمعي ، وأنهم حول مكة سوى أفخاذا من القبيلة سكنت سراة الطائف الغربية ، وفي سفوحها المنحدرة إلى تهامة في الجنوب الشرقي من مكة ، ومما زاد صالحاً ضلالا الله لا يضره ، أنه وجد نصوصاً لم يفهمها ، أو نصوصا وقع فيها تصحيفا ، مثل جبل (غزوان) ، و مثل (المشقّر) الذي جعله (المشرّق) والحجة واحدة ، فاستدل (للمشرّق) بقول أبى ذؤيب :

حتّى كأنّى للحوادث مروة ... بصفا (المشرّق) كلّ حين تقرع

استدل (للمشقّر) أيضاً بنفس البيت لأبى ذؤيب :

حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوادِثِ مَرْوَةٌ ... بِصَفَا (الْمُشَقَّرِ) كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعَ

فجعلهما موقعين بكل فطنة وذكاء ، وكما مرّ معنا في (لابية) فقد صنع منها عدة مواقع وهي كلمة لا علاقة لها بالمواقع .

وعجيب أمر هذا الرجل لا تجد عنده حجة سالمة أو دليلا مستقيما ، فهل يستقيم بناء التاريخ أو المفاخر على التصحيفات والأخطاء والأغلاط ؟ قبحك الله أنت وبحثك , وخاب وخسر من جعلك دليلا له , وكما قيل : 

ومن يكن الغراب له دليلا ... يمر به على جيَف الكلاب

أمّا (غزوان) الذي يريد أن يجعله حجة أن الطائف من منازل هذيل ، فإن صالح لا يدري أين مكانه ، ولا يستطيع صالح أن يحدد مكان جبل غزوان ، وليحدد مكانه إن كان صادقاً ، ولأنه حاطب ليل تجده ينقل أن الطائف بلاد ثقيف , ثم يقول بعد ذلك وهي من بلاد هذيل ، فلا أدري هل هذه بلاهة أو حماقة أو جهالة ، كما صنع في الركايا وكراش وخنثل ونخب وغيرها كما سيأتي .

أمّا ستدلاله بكلام أبي اسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي الاصطخري، المعروف بالكرخي (المتوفى: 346هـ) في (المسالك والممالك) (24) : «والطائف مدينة صغيرة نحو وادى القرى ، إلا أن أكثر ثمارها الزبيب، وهى طيبة الهواء وأكثر فواكه مكة منها، وهى على ظهر جبل غزوان . وبغزوان ديار بنى سعد وسائر قبائل هذيل، وليس بالحجاز- فيما علمته- مكان هو أبرد من رأس هذا الجبل، ولذلك اعتدل هواء الطائف، وبلغنى أنه ربما جمد الماء فى ذروة هذا الجبل، وليس بالحجاز مكان يجمد فيه الماء سوى هذا الموضع فيما علمته» . فإنه لا حجة فيه ، لأنه وقع فيه تصحيف ، فاسم (غزوان) تصحيف عن (عروان) جبل هذيل الشهير ، فهو الذي تنطبق عليه هذه الصفات ، وهو كما قال عاتق : عن (عروان) من أكرم جبال هذيل ، كثير الأهل مغطاة قممه ومتونه بأشجار العرعر والقرض والضرم ، وفيه العسل والمياه العذبة ، وهواؤه نقي ربعي في زمن القيظ .


وقد نبه  ابن قتيبة (المتوفى: 276هـ) في كتاب الشعر والشعراء (1/83) أن اسم عروان مما يقع فيه التصحيف في عصره .

أما الكلام المصحّف السابق فقد نقله ياقوت  الحموي (المتوفى: 626هـ) على الصواب عن عالم إمام حجة ، فقال في (معجم البلدان) : «عَرْوَانُ : فعلان، بالفتح، كالذي قبله لا فرق إلا الفتح ، قال الأديبي: هو جبل في هضبة يقال لها عروى ، وقال نصر: (عروان) : جبل بمكة وهو الجبل الذي في ذروته الطائف وتسكنه قبائل هذيل وليس بالحجاز موضع أعلى من هذا الجبل ولذلك اعتدل هواء الطائف ، وقيل : إن الماء يجمد فيه وليس في الحجاز موضع يجمد فيه الماء سوى عروان ، وقال ساعدة بن جؤيّة :
وما ضرب بيضاء تسقي دبورها ... دفاق فعروان الكراث فضيمها
وقال أبو صخر الهذلي:
فألحقن محبوكا كأنّ نشاصه ... مناكب من عروان بيض الأهاضب

المحبوك : الممتلئ من السحاب ، ونشاصه : سحابه» انتهى ، هذا هو الكلام الصحيح البعيد عن التصحيف .

وقد نقله أيضاً على الصواب زكريا القزويني (المتوفى: 682هـ) في الكتاب (آثار البلاد وأخبار العباد) (98) قال : «جبل (عروان) يسكنه قبائل هذيل، وليس بالحجاز موضع أبرد من هذا الجبل، ولهذا اعتدال هواء الطائف، ويجمد الماء به وليس في جميع الحجاز موضع يجمد الماء به إلا جبل عروان» انتهى

ومن أهل العلم من يرى أن الجبال السراة القريبة من مكة والمتصلة إلى الطائف هي جبل غزوان ، ومنهم من قال ما كان من الجبال بين مكة والمدينة ، قال أبو محمد الهمداني (المتوفى: 334هـ) في (صفة جزيرة العرب) (40) : «غزوان جبل عرفة العالي ، ثم طلعت الجبال بعد منه وكان منها الأبيض جبل العرج وقدس وآرة والأشعر والأجرد وهذه جبال ما بين مكة والمدينة عن يمين الخارج من مكة إلى المدينة ويسار الصادر إلى مكة وقد ذكرت العرب الحجاز والجلس وتهامة ونجد في أشعار كثيرة وكل ذلك يصدق ما وصفنا» وقال أيضا (173) : «غزوان من أمنع جبال الحجاز وأكثرها صيداً وعسلاً وهو يشاكل من جبال السراة (شنا) وجبل بارق»  لعله (شدا) . ا.هـ قال عاتق البلادي وهذا ينطبق انطباقاً محدودا على جبل (عروان) .

وقد كان البلادي يقول في معجمه الكبير في رسم (عروان) : «ذكر باسم غزوان بالمعجمتين فإذا كان تصحيفاً لعروان بالمهملتين ، فإن الاسم كان شاملاً لسراة الطائف ، ثم اقتصر على هذا الجبل الذي يبعد قرابة خمسين كيلا جنوبا غربيا من الطائف»
ثم عاد ورجّح التصحيف فقال في (معالم مكة التأريخية والأثرية) (185) : «وقد تصحف عَرْوان على الأقدمين فقالوا: غَزْوان، بإعجام الحرفين الأولين، وقالوا هو الجبل الذي على ظهره الطائف» وهو آخر أقواله ، فقد انتهى من تأليف (معجم معالم الحجاز) في ليلة الاثنين 26 ذي الحجة سنة 1395 للهجرة الشريفة ، وانتهى من تأليف (معالم مكة التأريخية والأثرية) في ليلة الخميس الموافق للتاسع من شهر جمادى الأولى سنة 1400 للهجرة الشريفة .

أمّا ماذكره صالح عن (البوباة) و(المليح) و(المناقب) فهذه تضاف إلى طرفه ونوادره ، فهو يذكر الأدلة التي ترد عليه ويستدل بها ، أمّا إذا لم يستطع تحريفها كفر بها ، كما في موضع (البوباة) .

أما (البوباة) و(المليح) فأشهر من أن يكون فيهما نقاش ، وحجة هذا الجاهل معركة  (البوباة) و(المليح) ، ولم يكلف نفسه بأن يقرأ سبب المعركة ، فقد قال السكري في شرح أشعار الهذليين (693) تحت عنوان (يوم البوباة): «كان من حديث معاوية بن تميم بن سعد بن هذيل أنه أصبحت بنو كاهل بن عامر بن برد بظاهر (البوباة) معهم بنو جريب بن سعد بن هذيل (في إثر غيث كان هناك) فجمعت لهم هوازن ورئيسهم مالك بن عوف النصري (وبلغه غرتهم وقلة عددهم)» انتهى كلام السكري وهذا نص من السكري إنما أتوها إثر غيث بحثا عن الكلأ والربيع ، وأنها ليست من ديارهم ، ولو كانت من ديارهم لما ذكر سبب وجودهم هناك ، أما أقوال البلدانيين كياقوت الحموي والزمخشري وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين بأن «البوباة من بلاد بني سعد بن بكر بن هوازن»، فقد ردّها صالح جميعاً وذلك بحجة أنها ربما تسللت إليهم من لغدة ، ولغدة من أعداء هذا الأحمق  الذي يظن الديار تملك بالأشعار ، بل يصل أحياناً إلى مرحلة الطيشان واللا وعي ، فيقول : (والحقيقة أن قرن المنازل والبوباة من منازل هذيل التي لاخلاف عليها) ، وهذا يدل أنه خارج التغطية، قبّحه الله ما أجرأه الكذب ، أما (المليح) فإنه في ذلك اليوم لحق الصريخ الغزو من (البوباة) فأدركهم في (المليح)، فأي حجة فيه ؟ قال السكري في شرح أشعار الهذليين (159) : «وهذا يوم البوباة وهو يوم المليح ، قال أبو نصر : أغار مالك بن عوف النصري على معاوية من هذيل يوم البوباة ، فاستاقوا ديار بني لحيان من بني كاهل بن عامر  ، وبني صرمة ، من بني حريث بن سعد بن هذيل ، فأدركهم الصريخ (بالمليح)» انتهى كلامه ، أما (المناقب) فجميع ما ذكره حجة عليه ، ولكنه لا يفهم ما ينقل ، أما الأبيات الأولى :

فمُوشِكةٌ أَرضُنا أن تَعود ... خلافَ الأَنيس وُحوشًا يَبابا
ولم يَدَعُوا بين عَرْض الوَتيـ ... ـرِ حتّى المَناقب إلاَّ الذِّئابا

أبيات أسامة هذه هي حجة عليه ، فهو يذكر النواحي ، فإن (الوتير) من منازل خزاعة ، بل وما دونها أيضا  و(المناقب) من منازل هوازن ، بل ومنازل هؤلاء وهؤلاء من دونها أيضا .

أمّا أبيات الأعلم قالها عندما وردوا بئر الأطواء المعروفة في جبل (سطاع) المعروف وووجدوا عليه وعلى مناقب الجبل بنو عدي بن الديل من كنانة ، وهذا قول السكري وسياق القصيدة يدل عليه ، فهو يصف جبال الحجاز التي ينظر إليها وإلى المناقب التي عليها بنو عدي ، ولكن هذا (الكموج) لا يفهم شيئا ، وعلى فرض أن المناقب هذه هي الموضع المعروف ، أي حجة في هذا الشعر ؟! والشاعر يذكر أهله وبلاده بجانب وادي نعمان .

رفّعتُ عَينى بِالحجا ... زِ إلى أُناسٍ بالمَناقب
وذكرتُ أهلى بالعَرا ... ء وحاجةَ الشُّعْثِ التَّوالِب
وبجانِبَيْ نَعمانَ قلـ ... ـتُ أَلَنْ يُبَلِّغَنى مآرِبْ

والمناقب كثيرة في جبال الحجاز ، فهي وصف لكل طريق بين الجبال ،  وقد وردت في الأشعار كثيرا ، ويراد بها الوصف ،  قال أحد شعراء هذيل :

فما زِلتُ فى خَوْفٍ لَدُنْ أن رأيتُهمْ ... وفى وابلٍ حتى نَهَتْنى المَناقِبُ
فواللهِ لا أَغْزُو مُزَيْنةَ بعدَها ... بأرضٍ ولا يَغْزُوهمُ لىَ صاحِبُ

ومنازل قبيلة مزينة شمال منازل قبيلة هذيل ، وهي بعيدة عن (المناقب) التي يريدها ويتمناها صالح .

أما (الماوين) و (السر) التي قرب الطائف ليست هي المقصودة في شعر قيس بن العيزارة كما يقول هذا الجاهل , ولو قرأ بقيّة القصيدة وشرح السكري لها لأغلق فمه عن هذه الحماقات , وعرف ما المقصود بالسر .
فقد قال قيس بن العيزارة في نفس القصيدة : 
رِجالٌ ونِسْوانٌ بأكناِفِ (رايَةٍ) ... إلى (حُثُنٍ) ثَمَّ  العُيونُ الدَّوامِعُ
ثَمَّ : أي هناك .
قال السكري : نسوان يَعنِي بَناتَه وأهلَه . في شرح أشعار الهذليين (592)
قال قيس هذه القصيدة عندما أسرته قبيلة فهم ، وأرادوا قتله ، فهو يذكر من سيبكي عليه من أهله في بلاده تهامة ، فـ(جبل راية) و(وادي حُثُن) معروفان اليوم , ولو رجع هذا الجاهل لبرنامج الدارة الذي ضلله بسبب جهله لوجدهما متجاورين في تهامة .
وهذا ما يؤكد ما أقوله دائماً بأنه أجهل خلق الله بأشعار هذيل , أما (قوسى) وذكر صالح لشعر أبي خراش , فإنه بجهله قبل ذلك جعل بدل اسم (قوسى) (حوضى) التي ورا (عرق سبيع) وجعلها من بلاد هذيل , وهذا يؤكد ما أقوله دائماً عن عبثه وجهله بهذا الشعر , لن أناقشه في (قوسى) لأنه لا يفهم , ولا في ترقيعاته في هذه القصة ولا في العدو .


أمّا ذكر (شهار) في شعر أبي صخر ، فلا حجة فيه، فأبو صخر الهذلي وهو شاعر إسلامي من القرن الثاني , كان يمدح عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وكان عاملا على مكة  لسنة 103 هـ تقريباً , ثم عزل ، فأي حجة في ذكره (لشهار) في قصيدة غزلية ؟ ولكن هذا الجاهل لا يميّز بين الشعر الجاهلي والشعر الذي في صدر الإسلام والشعر الأموي ، وحتى لو كان جاهلياً ، فمجرد الذكر ليس حجة ، ثم لو نظر صالح إلى قصيدة أبي صخر التي بعد هذه القصيدة ، لتأكد له أنه يعيش في خيالات واهية وأوهام مريضة ، ففي شرح أشعار الهذليين (936) قال أبو صخر الهذلي :

وأهلي بوادٍ من تهامة غائرٍ ... بأسفل هضيمة أراك وتنضب 




أمّا كلامه عن (المجمعة) (الجبوب) (أم نخلة) فهذا هو المستوى الحقيقي لعقلية صالح ، ولا أقول مستوى جهله لأن هذه الحماقات لا يقولها عاقل ، وهذا كله من خيال صالح الخصب , وساعده في ذلك الجرأة على الكذب والجهل وعدم الخوف من الله , وتتبع أخطاء وجهالات صالح مضيعة للوقت , وكما قال ابن الجوزي : إنما يُرد على من قلّت أخطاؤه , أمّا من كثرت أخطاؤه فلا يلتفت له .
وكما تقول العامة : (لا أجر ولا جميلة) , يعني : لا أنت بلحية غانمة أكسب فيك معروفا وجميلا , ولا أنت مسترشد أكسب فيك أجرا , وكما يقول بعض السلف : لا تعلقوا الدرّ في أعناق الخنازير .

نرجع لأدلة صالح الجديدة ، صالح ليس لديه تصوّر صحيح لحال العرب لا قديما ولا حديثا ، فيظن هذا المسكين أن القبيلة لها أماكن متفرقة ومنتثرة في بلاد القبائل الأخرى ، مثل الأراضي السكنية في المخططات ، أمّا أدلته التي تصعق وتصفع فهي التي ذكرها في (نخب) و (قران) أمّا (العرج) فلم يأت بجديد ، ولكن مكانها بين (نخب) و (قران) فوجد أنه مضطر أن يدخلها في بلاد هذيل (شيله بيله) ، وكل هذا الهمط والخرط والهذر الكثير والسب والشتم والجهالات المتتالية ، وكل هذا التكرار الممجوج الممل يقصد بها تكثير عدد الأوراق ليوهم نفسه و وهؤلاء البسطاء والعوام أن ردّ ردّاً قوياً ، وهو في الحقيقة تكرار لا جديد فيه .


مجمل الأدلة التي يزعم أنها جديدة :
الدليل الأول : أن ناسا من هذيل وبني الليث من كنانة اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دم رجل منهم ، وهم ببحرة الرغاء  فهذا يدل على أن نخباً لهذيل !!! وسأبين سخافة هذه الجهالة ، هل رأيتم مثل هذا الاستخفاف ؟!

الدليل الثاني : أن أبا ذؤيب رحمه الله في جاهليته شرب خمراً  في (قرّان) وهذا يدل أن قران لهذيل !!! وسأبين سخافة هذه الجهالة أيضاً بإذن الله تعالى .


الدليل الأول عن (نخب) : 
قال صالح : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَخْلَةَ الْيَمَانِيَةِ، ثُمَّ عَلَى قَرْنٍ، ثُمَّ عَلَى الْمُلَيْحِ، ثُمَّ عَلَى بُحْرَةِ الرُّغَاءِ مِنْ لِيَّةَ ، فَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا فَصَلَّى فِيهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: أَنَّهُ أَقَادَ يَوْمَئِذٍ بِبُحْرَةِ الرُّغَاءِ، حِينَ نَزَلَهَا، بِدَمِ، وَهُوَ أَوَّلُ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَتَلَهُ بِه ِ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ بِلِيَّةَ، بِحِصْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ فَهُدِمَ، ثُمَّ سَلَكَ فِي طَرِيقٍ يُقَالُ لَهَا الضَّيْقَةُ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ عَنْ اسْمِهَا، فَقَالَ: مَا اسْمُ هَذِهِ الطَّرِيقِ؟ فَقِيلَ لَهُ الضَّيْقَةُ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ الْيُسْرَى، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا عَلَى نَخْبٍ، حَتَّى نَزَلَ تَحْتَ سِدْرَةٍ يُقَالُ لَهَا الصَّادِرَةُ، قَرِيبًا مِنْ مَالِ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ، .

وجاء عند الواقدي :
قَالَ: حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حَدّثَنِي مَنْ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يَبْنِي بِيَدِهِ مَسْجِدًا بِلِيّةَ، وَأَصْحَابُهُ يَنْقُلُونَ إلَيْهِ الْحِجَارَةَ.  وَأُتِيَ يَوْمَئِذٍ إلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي لَيْثٍ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللّيْثِيّ إلَى الْهُذَلِيّينَ فَقَدّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَكَانَ أَوّلَ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ . وَصَلّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظّهْرَ بِلِيّةَ،
إلى أن قال:
ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ لِيّةَ فَسَلَكَ طَرِيقًا يُقَالُ لَهَا: الضّيْقَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ هِيَ الْيُسْرَى. ثُمّ خَرَجَ عَلَى نَخِبٍ .

وقال ابن حزم :
وذكر  أن رجلا من بنى هذيل ببحرة الرغاء حين نزلها طالب بدم، فأقاده صلى الله عليه وسلم 
وكان بالمكان المذكور حصن لمالك بن عوف النصرى، فأمر النبى صلى الله عليه وسلم بهدمه، فهدم.
جوامع السيرة لابن حزم ج١.ص١٩٣ 

هذه أدلته ، أمّا استدلاله و استنباطه فقال صالح : «فما الذي جاء بهذيل من تهامة ليتحاكموا مع كنانة عند رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في دمائهم بالقرب من ليه و نخب ؟»

ثم قال وهو غاية الانتفاش : «أعلم أن هذه النصوص صخرة صماء ، تحطمت أمامها أوهام و تدليس حمود .
كَناطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً ليِوُهِنَها
فَلَمْ يَضِرّْها وأوْهى قَرْنَه الوعِلُ»


قلت : صحيح أن النصوص التي ذكرها صخرة صماء ، ولكنها تفلق رأسه وهو لا يشعر ولا يفهم ، قبل أن أتكلم على استنباطه السخيف سأتكلم عن الدليل ، فقد ورد بروايات عدة وكلها متفقة .

1- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نازلا بـ(بحرة الرغاء) . 
2- أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهدم حصن مالك بن عوف النصري القريب منه .
3- أن النبي صلى الله عليه وسلم سلك طريق الضيقة التي سماها (اليسرى) .
4- أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يحول بين ثقيف ومددهم من بني نصر ، فهو بين ديارهم .
5- أن النبي صلى الله عليه وسلم اتجه بعد ذلك إلى ثقيف ونزل في صدر (نخب) عند سدرة الصادرة .
 ولا زالت تلك الأماكن التي ذكرت كلها معروفة اليوم ، في بلاد هوازن من ثقيف وبني نصر .

ومن بلاهة صالح بن دخيل الله كعادته ينقل الأدلة التي ترد عليه ويستدل بها ، ففي الدليل الأول الذي نقله عن ابن إسحاق وابن هشام في السيرة ، قال : «ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا عَلَى نَخْبٍ، حَتَّى نَزَلَ تَحْتَ سِدْرَةٍ يُقَالُ لَهَا الصَّادِرَةُ، قَرِيبًا مِنْ مَالِ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ» وكعادة صالح بن دخيل الله  في التدليس والكذب حذف بقية الرواية حتى لا ينكشف .

وهو قوله : «فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِمَّا أَنْ تَخْرُجَ وَإِمَّا أَنْ نُخَرِّبَ عَلَيْكَ حَائِطَكَ، فَأَبَى أَنْ يَخْرُجَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِإِخْرَابِهِ» .

وبهذا يتبين أن الثقفي في حائطه (مزرعته) في بلاده نخب ، وبهذا رجعت الصفعة على خد هذا الجاهل ، وأزيده صفعة أخرى : ففي (أخبار مكة)  للفاكهي   حديث  (1483) ‏‏ قال : فحدثني محمد بن صالح البلخي قال : ثنا مكي بن إبراهيم قال : كنا مع عبد العزيز بن أبي رواد في المسجد الحرام فأصابنا مطر شديد وريح شديدة ورعد وهد ، فقال عبد العزيز : خرج سليمان بن عبد الملك إلى (الطائف) ، فأصابهم نحو من هذا ببعض الطريق ، فهالهم وخافوا ، فأرسل إلى عمر بن عبد العزيز وكانوا إذا خافوا الشيء أرسلوا إلى عمر فجاء عمر فقال : يا عمر ، ألا ترى ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا صوت رحمة ، فكيف بصوت غضب ؟ قال : فدعا ببدرة فيها عشرة آلاف درهم ، فقال : خذها فتصدق بها قال : يا أمير المؤمنين ، أوخير من هذا ؟ قال : وما هو ؟ قال : قوم صحبوك من الشام في مظالم لهم فلم يصلوا إليك قال : فأدخلهم علي قال : فأدخلهم عليه ، فكتب لهم في مظالمهم فردت إليهم وزاد غيره : فخرج سليمان إلى الطائف ، فلما قدم سليمان بن عبد الملك الطائف أتى ماء يقال له (الجال) بـ(نخب)  ، فلقيه أبو زهير أحد بني سالم من (ثقيف) ، فقال : يا أمير المؤمنين ، اجعل منزلك علي قال : إني أخاف أن أفدحك قال : كلا ، إن الله تعالى قد رزق خيرا قال : فنزل فرمى بنفسه على بطحاء (الطائف) ، فقيل له : الوطاء فقال : لا ، هذا البطحاء أحب إلي وأعجب فألزمه بطنه ، وأتي بخمس رمانات فأكلهن ، فقال : أعندكم غير هذا ؟ قالوا : نعم فجعلوا يأتونه بخمس خمس حتى أكل سبعين رمانة ، ثم أتي بخروف وست دجاجات فأكلهن ، وأتوه بصبيب من الزبيب يكون قدر مكوك على نطع فأكله أجمع ، ثم نام فانتبه فدعا بالغداء ، فأكل مع أصحابه ، فلما فرغ دعا بالمناديل فكان فيها قلة ، وكثر الناس ، فلم يكن عنده من المناديل ما يسعهم ، فقال : كيف الحيلة يا أبا زهير ؟ فقال أبو زهير : أنا أحتال فأمر بالضرم والخزامى وما أشبهها من الشجر فأتي به ، فامتسح به سليمان ، ثم شمه فقال : يا أبا زهير ، دعنا وهذا الشجر نمسح به أيدينا ، وخذ هذه المناديل فأعطها العامة ثم قال : يا أبا زهير ، ما هذا الشجر الذي ينبت عندكم ؟ أشجر الكافور ؟ قال : لا فأخبره به ، فأعجب به سليمان وقد قال امرؤ القيس بن حجر الكندي يذكر هذا الشجر ، ويشبهه بريق امرأة ، يشبه ريقها وريحها بريح هذا الشجر ، فقال :
 كأن المدام وصوب الغمام
 وريح الخزامى ونشر القطر

 يعل به برد أنيابها
 إذا طرب الباكر المستحر

 قال : فلما فرغ ، قال أبو زهير : افتحوا الأبواب ففتحت الأبواب ، فدخل الناس فأصابوا من الفاكهة ، فأقام سليمان يومه ومن الغد ، ثم قال لعمر : لا أرانا إلا قد أضررنا هذا الرجل ، فارحل عنه فنظر إلى الوادي فقال : لله در (قسي) ، أي (واد) أنزل أفرخه لولا هذا الحرار ونظر إلى جرن فيها زبيب فظنها حرارا ، فقال له عمر : هذه جرن الزبيب ....الخ انتهى المراد .

قلت : و(قسيّ) هو ثقيف ، وهذه من الأمور التي لا تحتاج إلى دليل أو تفسير ولكن هذا الأعمى لا يبصر إلا هواه وجهله .


أما قول صالح : «فما الذي جاء بهذيل من تهامة ليتحاكموا مع كنانة عند رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في دمائهم بالقرب من ليه و نخب ؟» .
 قلت : هل الواجب عند صالح أن يذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى تهامة حتى يحكم بين الناس ؟ أو يذهب منازل الناس ليحكم بينهم ؟ حقيقة هذا الجاهل يحتاج أن يؤدب شرعاً ويعزر ، وعلى هذا القول النشاز يلزمه إلزامات كثيرة باطلة.

أما قوله الأخير :
كَناطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً ليِوُهِنَها ... فَلَمْ يَضِرّْها وأوْهى قَرْنَه الوعِلُ

فصحيح فإن صالح بن دخيل الله  لم يضر إلا نفسه .

أمّا كلامه على موقع (العرج) فلولا خشية الإطالة والخروج عن الردّ لذكرت غرائب وطرائف وحماقات صالح فيه ، ولكن سأذكر شيئاً يسيراً ، فقد تأنق صالح في الجهالات والتعالم هنا غاية التأنق ، فأصبح يتكلم عن اللغة والضبط وهو لحّانة جَلْد ، كما قال الشاعر :

وألحن الناس كل الناس قاطبة ... وكان يولع بالتشقيق في الخطب

 وخذوا  هذا المثال التحفة :

قال صالح : «فقال أبو ذؤيب الهذلي :
هم (رجّعوا) بالعرج والقوم شهد
هوازن تحدوها حماة بطارق
ثالثا : من الواضح أن المعنى لا يستقيم البته ، بما زعمه حمود أن المقصود الإبل ، فكيف يكون المقصود الإبل ، والبيت يشير أنهم (رجّعوا) هوازن ، و مدلول اللفظة مضعفة بالتشديد يراد بها ردوا المعتدي بالعرج ، ولم يقل رجعوا بالعرج بالفتح المخفف بمعنى عادوا !!؟ فهذه لفتة
واضحة ومهمة ، ولايمكن لمثل حمود أن ينتبه لها !؟» انتهى كلامه .

قلت : لا أريد أن أكرر أو أعيد كلام أهل العلم على بيت أبي ذؤيب ، فقد ذكرته في ردي السابق على موضع (العرج) في صفحتي ، إنما أريد أن يرى الناس تخبط هذا الجاهل وعبثه في اللغة والشعر ، فقد خالف هنا النقل والسماع والإجماع من رأسه بلا أي حجة إلا الجهل ، ثانيا : أنه بهذا التشديد على حرف الجيم (رجّعوا) كسر البيت وعجن الشعر ، أي شعر يدعي معرفته ؟! ، ثم قام يتبختر في هذه الجهالة ويترنّح طربا ، ويقول : «فهذه لفتة واضحة ومهمة ، ولايمكن لمثل حمود أن ينتبه لها !؟» مشاء الله ، الله لا يضرك ، صحيح هذه اللفتة لا يمكن لأحد في الدنيا يتنبه لها إلا أنت وحدك .

 متى ينتهي هذا العبث الصبياني ؟. وقد أتى صالح في كلامه عن (العرج) بجهالة صلعاء أخرى فقال : إن (العرج) القريب من المدينة من منازل هذيل ، وقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ أدلاء من خزاعة في ديار هذيل حتى هذيل لا يخبرون قريشاً ، انظر إلى هذا العبث في السيرة ، وانظر إلى هذا الغباء في الاستدلال ، إلى الله المشتكى .



دليله الثاني عن (قران) :

وهو أسوأ من استدلاله السابق ، بل لا أجد كلمة أصف بها هذه السخافة وقلة الحياء وصفاقة الوجه .

دليله قال أبو ذؤيب :

رأتني صريع الخمر يوما فسؤتها ... بِقُرّان إن الخمر شعث صحابها

فبمجرد أن ذكر أبو ذؤيب أنه شرب الخمر حتى سكر في (قران) ، أصبحت قران من منازل هذيل ، أي عبث هذا ؟! بغض النظر هل هي التي في الطائف أو التي في تهامة ، والتي وردت أشعار هذيل وخزاعة ، كم في شعر  قيس بن الحُدادية الخزاعي الشاعر الجاهلي :

وإن ضعيف الرأي من هاج شوقه ... خيام على (قرّان) بادٍ ثمامها

فهل يقول عاقل بمثل هذا الاستدلال ، ولو رجع لقصيدة أبي ذؤيب ، لوجد أنه يصف خمراً أُتي بها من الشام إلى الطائف وإلى سوق عكاظ ، ويصف بني ثقيف في ديارهم ، ثم يصف العسل الذي شيب بهذه الخمر ، ومن أين أتي به .

وهذا القول وهو أن من شرب خمراً حتى سكر في بلد فهي من بلاد قبيلته ، لا أظن يقول به أحد من العالمين إلا صالح بن دخيل الله . 


حقيقة جهالات صالح لا تنتهي ولن أتتبعها كما قلتُ سابقاً ولكني أنقل نتف مما لا يجوز تجاوزه وتركه ، فقد ذكر كلاماً سيئاً عن لغدة وعن حمد الجاسر ، ثم فضح نفسه وذكر أسباب هذه الحملة المسعورة على كتاب لغدة :

أولا : أنه من أقدم الكتب التي وصلت إلينا في البلدانيات تنقل كلام الأصمعي الذي أصبح شجاً في حلق صالح ، فسعى إلى التشكيك في الكتاب تارة وفي التعليقات تارة وفي الرواة تارة وفي المؤلف تارة ، بل وصل به الحال إلى التفوّه بسخافات جعلته موضوعاً للسخرية والتندر في مجالس أهل العلم والفضل ، بل وحتى عند العامة .

ثانياً : وهذا السبب هو الجوهر ، وهو أن لديه مشكلة شخصية مع تاريخ وجغرافياء وبلدان قبيلة هوازن ، وهذه المشكلة لن يجد لها ما يطفئ غليله ، حتى وأن شرب البحر الأحمر ، فهمومه وغمومه دائمة مقيمة وفي ازدياد , فهو يطاول طويل ويصادم جبال ، كما قيل :

ألم تر أن السيف ينقص قدرُه ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

سأنقل كلامه كاملاً الذي تعقّب به لغدة بزعمه وفضح به نفسه وأخزاها .


قال لغدة ناقلا كلام الأصمعي  في كتاب بلاد العرب ص (27): «ثم تصير إلى البُُوبًات وهي صحراء ، وهي بلاد سعد بن بكر ، وقرن وهو بين المناقب و البوبات وهي أقصي البوباة وهي وادٍ يجيء من السراة لسعد بن بكر ، ولبعض قُرَيْش ، وبقرن منبر» 

قال هذا الجاهل صالح بن دخيل الله : 

((قلت : بسبب قول لغدة هذا ظن بعض الجهلة أنه من أقوال الأصمعي ، وهذا محض إفتراء على الأصمعي ، وقد أوضح هذا الأمر محقق الكتاب حمد الجاسر في مقدمته بأنه ليس من أقوال الأصمعي .
وجميع الأقوال التي ذكرت أن البوباة وقرن المنازل من ديار سعد بن بكر كلها جاءت بعد قول لغدة هذا ، كما عند الزمخشري وياقوت وغيرهم ، ويؤكد ذلك أن جميع أقوالهم جاءت بنفس صيغة لغدة .!

وإذا نظرنا إلى أكثر رواة لغدة هم من الأعراب (ومن أعراب هوازن) بالذات وقد جعلوا (ثلثي جزيرة العرب من بلادهم) !! ، وهذا لايستغرب من بعض الأعراب ، وقد خالفوا في هذا جميع أقوال علماء السيرة والبلدان والتاريخ والنسب . 
فليت لغدة إذ لم يبرح العراق وأراد أن يأخذ من أقوال الأعراب عن الاماكن والمياة والجبال في جزيرة العرب لم يأخذ من أعراب قبيلة دون الأخرى ، أو سأل كل ناسٍ عن ديارهم فلا يعلم الديار مثل أهلها .
 وحال أعراب الجزيرة لا يخفى على مثل لغدة ، من تحدٍ ومن تنافس على المياة وعلى المرابع والديار وبالأخص القبائل ذات الحدود مع بعضها .
ناهيك عن شروعه في ذكر المنازل دون مقدمةٍ يشرح فيها طبيعة الكتاب ، أو عن تنقلاته الغريبة في الحديث من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب ، بدون مسوغ مما يبعث الشك أن الكتاب قد طالته يد التحريف أو يلفه الغموض كما في كتاب عرام الأصبع ! .

والبوباة من بلاد هذيل والتي تتوسط منازلهم التي شرع العلماء في تفصيلها ، ولهم بها يوم شهيرا بينهم وبين هوازن التي يدعي لغدة أنها من بلادهم))


نقلت جهالاته حتى يحكم عليه القارئ الكريم .